السيد كمال الحيدري
40
معرفة الله
فالرين يمنع عادةً من الاستجابة للحقّ ، وهذا ما يُفسّر لنا ذلك الصدود والجفاء والجحود الذي مارسه مشركو قريش تجاه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ورسالته المقدّسة ، فهم رُغم معرفتهم المُسبقة بسمت وخُلق الرسول صلى الله عليه وآله إلّا أنّهم قابلوه بالصدود والمواجهة والعُنف ، وكلّما ازدادت دعوة الإسلام ظهوراً ووضوحاً ، وشخصية الرسول صلى الله عليه وآله سطوعاً ورفعة ، ازدادوا حنقاً وحقداً وبغضاً وتعنّتاً ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ « 1 » ، وما ذلك إلّا لاستحكام الزبد على السيل ، واستحكام الرين على جميع منافذ القلب ، ولذلك فأولئك بغيّهم يأتون ويذهبون وهم خالو الوفاض « 2 » من كلّ كمال وعلم ومعرفة ، وأيّ كمال يبقى لديهم وهم أضلّ من الأنعام سبيلًا ؟ ! إنّ من غادر خزائنه الأولى ( صبغة الله وفطرته ) ، واستحكم الرين به يكون قد أغلق باب العود عليه ، أو أُغلق بابُ العود عليه باستجابته لمقتضيات الرين ، فلمّا راودته الدُّنيا التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك ، لم يقل كما قال يوسف عليه السلام : إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ « 3 » ، ولم يقل كما قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام : « يا دنيا إليَّ تعرّضتِ ؟ أم إليَّ تشوّقتِ ؟ هيهات هيهات غُرّي غيري ؛ لقد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك كبير » « 4 » ، بل عقد عليها وجعل مهرها عمره وآخرته وقال : إِنْ
--> ( 1 ) البقرة : 206 . ( 2 ) الوفاض يطلق على المكان الذي يُمسك الماء ، انظر : لسان العرب لابن منظور الإفريقي المصري ، دار إحياء التراث العربي ، الطبعة الأُولى ، 1405 ه : ج 7 ص 250 . ( 3 ) يوسف : 23 . ( 4 ) نظم درر السمطين للزرندي الحنفي محمد بن يوسف بن الحسن ، طبع مكتبة الإمام / / أمير المؤمنين عليه السلام العامّة ، الطبعة الأولى ، 1958 ه : ص 135 .